فخر الدين الرازي

100

تفسير الرازي

القبائل في أول الأمر ما أظهروا المخالفة مع أولئك الكفار ، بل كانوا في ظاهر الأمر معهم من غير إظهار مخالفة فالقوم ظنوا لهذا السبب أنهم كانوا في أول الأمر على دينهم فلهذا السبب قالوا : * ( أو لتعودن في ملتنا ) * . الوجه الثاني : أن هذا حكاية كلام الكفار ولا يجب في كل ما قالوه أن يكونوا صادقين فيه فلعلهم توهموا ذلك مع أنه ما كان الأمر كما توهموه . الوجه الثالث : لعل الخطاب وإن كان في الظاهر مع الرسل إلا أن المقصود بهذا الخطاب أتباعهم وأصحابهم ولا بأس أن يقال : إنهم كانوا قبل ذلك لوقت على دين أولئك الكفار . الوجه الرابع : قال صاحب " الكشاف " : العود بمعنى الصيرورة كثير في كلام العرب . الوجه الخامس : لعل أولئك الأنبياء كانوا قبل إرسالهم على ملة من الملل ، ثم إنه تعالى أوحى إليهم بنسخ تلك الملة وأمرهم بشريعة أخرى وبقي الأقوام على تلك الشريعة التي صارت منسوخة مصرين على سبيل الكفر ، وعلى هذا التقدير فلا يبعد أن يطلبوا من الأنبياء أن يعودوا إلى تلك الملة . الوجه السادس : لا يبعد أن يكون المعنى : أو لتعودن في ملتنا ، أي إلى ما كنتم عليه قبل ادعاء الرسالة من السكوت عن ذكر معايبة ديننا وعدم التعرض له بالطعن والقدح وعلى جميع هذه الوجوه فالسؤال زائل والله أعلم . واعلم أن الكفار لما ذكروا هذا الكلام قال تعالى : * ( فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين ولنسكننكم الأرض من بعدهم ) * قال صاحب " الكشاف " : * ( لنهلكن الظالمين ) * حكاية تقتضي إضمار القول أو إجراء الإيحاء مجرى القول لأنه ضرب منه ، وقرأ أبو حياة : * ( ليهلكن الظالمين وليسكننكم ) * بالياء اعتباراً لأوحى فإن هذا اللفظ لفظ الغيبة ونظيره قولك أقسم زيد ليخرجن ولأخرجن ، والمراد بالأرض * ( أرض الظالمين وديارهم ) * ونظيره قوله : * ( وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها ) * ( الأعراف : 137 ) . * ( وأورثكم أرضهم وديارهم ) * ( الأحزاب : 27 ) وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " من آذى جاره أورثه الله داره " واعلم أن هذه الآية تدل على أن من توكل على ربه في دفع عدوه كفاه الله أمر عدوه . ثم قال تعالى : * ( ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد ) * فقوله ذلك إشارة إلى أن ما قضى الله تعالى به من إهلاك الظالمين وإسكان المؤمنين ديارهم أثر ذلك الأمر حق لمن خاف مقامي وفيه وجوه : الأول : المراد موقفي وهو موقف الحساب ، لأن ذلك الموقف موقف الله تعالى الذي يقف فيه عباده يوم القيامة ، ونظيره قوله : * ( وأما من خاف مقام ربه ) * ( النازعات : 40 ) وقوله : * ( ولمن خاف مقام ربه جنتان ) * ( الرحمن : 46 )